أو أنت ثانية ؟؟!!

 

تصوير حميد جعفر

 
كان أحدهما يتسمر في الصفوف الأمامية, أما الآخر فكان جالساً على الأرض متكئاً بقدمه عليها.

ماذا يفعل المجنونان هنا مجدداً ؟ تساءلت !!

وهناك , وسط الحشد الكبير من المثقفين والأدباء والكتاب وممثلي تيارات المجتمع المدني والإعلاميين, كانت التلاوات التي رُتلت للدفاع عن الثقافة كثيرة, وعلى قدر انتماءاتهم السياسية وبطبيعة فلسفة السياسة الخطابية جاءت الصراخات والمطالبات من رؤساء التيارات والجمعيات المدنية والسياسية, بعضهم يطالب والآخر يستنكر و غيرهُ يستغرب والبعض وصل به الأمر أن يهدد ..

وعش رجباً .

كان واضحاً جداً مستوى سطوة السياسة على مقدرات الخطاب في تلك الليلة, حتى تخيلتني في إحدى الندوات السياسية البغيضة التي أمقت والتي يبصبصُ من أمام ميكرفوناتها السياسيون يستدرون عطف الجمهور الناخب, ربما - وأقول ربما - نسي هؤلاء أنهم يرافعون في الثقافة , لا في توزيع الدوائر الانتخابية أو التصويت في المراكز العامة أو تقرير صاحب البشرة السوداء – حتى لا أقول البندر - , قلت : يا الله , شوفته ولا عدمه .

كانت تتخلخل بعض الخطابات (شطحات) نسميها بالعامية (دگات) كناية عن الشيء الخارج عن المألوف, إلا أنّ كلمة المؤسسات الثقافية كانت الأقرب لملامسة الواقع الثقافي بطبيعة الحال , ثمّ تلاوة مارسيل خليفة التي جاءت بطعم آخر .

قرأ مارسيل الأشيب رسالة حمّلتها إياه ليلى عبرنا لقيس, تقول ليلى :

( يا حبيبي ماذا سأفعل بكل هذا الحب وماذا بقي لي بعده, كيف هو مذاقك في الصباح أهو مثل مذاق المساء كثيف ومسكر؟ أم هو كقطر الندى مفتون بليلة الورد؟ , ماذا سأفعل بكل هذا الحب ؟ , ها أنا أريد أن أصغي إليك أكثر حين لا تقول الكلام وحين يستمهلني وجهك في الوقت والمكان , يا شغفي ادخر لي مكاناً فيك ولوح الغيمة الزرقاء على بحيرتك لئلا يشعر جسد بالغربة لئلا تصيبه الوحشة عندما لا يجد من يحسن قراءته بالشفتين ماذا سأفعل بكل هذا الحب ؟ أشتهي أن أغمر أعلى شجرك الطازج , أشمه و أتذوقك حتى أميز كل جزء منك بعينين مغمضتين , أزيح تعب جسدك بالركض حتى يفيض الورد في إناء ولحظة يلمع خيط الفجر أرخي ذراعي من عناق ليل طويل لأقول لك هل اكتفيت ؟ كيف يقوينا الحب ثم يضعفنا حد الهشاشة, ثم يضعفنا من جديد  , ألا يشبه ذلك سيرة الماء الغامض ؟ لماذا تستحيل الحياة من دونه ؟ أحبك حتى لو حاصرني العالم بنظراته المريبة , بنظراته القاسية , حتى لم يبق إلا وجهك شمساً , سأحبك أكثر , حتى لو لم تبق لي نافذة إلا أنت , بحر إلا عينيك , شاطئ إلا يديك وردة إلا شفتيك , فها أنت وحدك الكون كله).

ثم يبدأ مارسيل قوله الخاص :

جئت إليكم هذه المرة لأتعلم العشق من جديد , لأقف بخشوع وتأمل وانعتاق في حضرتكم , فأنا مدين لكم ولليلى وللمجنون قيس والمجنون قاسم , مدين بهذا العشق الجميل والعميق في دلالته وتوغله مع الروح الانسانية , جئت أضم هذا العشق حتى التلاشي , قل هو الحب طريق ملك نبكي له , نبكي عليه , نعم ياقاسم , لهذا نصاب بسهام المتربصين لجذوة الحياة , غير أنهم قد ينزعون الوردة من تربتها , لكنهم لن يستطيعوا أن يمنعوا هذا الربيع من القدوم نحو أرجاء الجزيرة الصغيرة .

في غمرة المقاعد المليئة بالجثث المتحركة, كنتُ كلما أتصفح برنامج المهرجان الخطابي الموسيقي الذي نظمه تيار " لنا حق " للتعبير عن تضامن تيارات المجتمع المدني مع الثقافة والإبداع, كنت ولاأدري لماذا , أستذكرُ كلمات الشاعر الكبير محمود درويش في قصيدته لاتعتذر عما فعلت :

 

أو أنت ثانية؟ ألم أقتلك؟

قلتُ : قتلتني ... ونسيت مثلك أن أموت.
 
 
لقراءة المزيد من صحيفة الأيام إضغط هنا أو هنا
 لقراءة فشل الساسة في الحديث عن الثقافة - حسين مرهون , إضغط هنا



أضف تعليقا

اضيف في 21 ابريل, 2007 12:16 ص , من قبل e7sasy24
من البحرين said:

من بين المقاعد المليئة بالجثث المتحركة كانت جثتي وجثة صاحبي.. وفي حومة (الشطحات) الخطابية، مالت جثتي على كتف صاحبي وهمست: "من هي الدولة التي تريد أن تشن حربا عسكرية على البحرين؟!".. ولكي أبث في جثتي نوعا من الحياة، غادرت الصالة سريعا..

في حضرة السياسة يبدو الأمر مضحكا.. وأشد إضحاكا هم المثقفون المؤدلجون حين يتضامنون مع الثقافة والإبداع والشيخة مي؟!.. الشيخة مي التي كانت أرقا وقلقا وهاجسا بالنسبة لهم، باتت في ليلة وضحاها شعارا يرفعونه على الرؤوس..

غريب أمر المثقفين!!

حسين عبدعلي

اضيف في 21 ابريل, 2007 12:08 م , من قبل abojenin
من البحرين said:

ماتناهى إلي ّ أنّ بعضهم اعترض على تكريمها الذي كان مقرراً خلال المهرجان, وهم مجموعة المثقفين الكحيانيين الذين تجرعوا مرارة وظلم قطاعها .
ذلك لاينفى اتفاقي معك على ان امر المثقفين .. غريب جداً .

اضيف في 21 ابريل, 2007 02:24 م , من قبل mohammed55saeed
من سوريا said:

الأخ جعفر :
كثيرون هم الذين يقولون ما لا يفعلون ويتلونون حسب ما تقتضي مصلحتهم .وأنت
لامست جرحآ لا يكاد يذكره احد في الوسط الثقافي ألا وهو المثقف المدعي الذي تسمعه تارة يمجد السلطان ويمسح الغبار عن حذاءه وتارة تسمعه وهو يلقي خطابآ ناريآ يوحي لك بأن الثورة ان لم تقم على أثر خطابه فغدآ على الأغلب ستكون .
صديقي : نحتاج الى المثقف الذي يتفاعل مع قضايا شعبه بكل صدق ( المثقف العضوي حسب تعبير غرامشي )
مثقف لا يخلط بين الثقافي والسياسي ويعرف كيف يدافع عن الثقافة والإبداع بدون ضجيج لا يخدم القضية .
تحية لك صديقي على مقالك الجميل وتحية لصديقي حسين عبد علي .
دمتم بخير .

محمد سعيد

اضيف في 21 ابريل, 2007 06:42 م , من قبل abojenin
من البحرين said:

أخبرني زميلي الصحفي الذي كان حاضراً لتغطية استضافة ابن ملك البحرين الشيخ ناصر بن حمد لشعراء برنامج شاعر المليون, أخبرني أنّ كبار المثقفين كانوا في مقدمة الحضور في تلك الفعالية .
قالها في محضر تعليقه على شعارات المثقف والسلطة التي يرفعها هؤلاء أنفسهم في حين لايكادون يرون في أي من الفعاليات الثقافية التي يقيمها ( الكحيانيين ) من المثقفين , الموسيقيين أو الشعراء أو التشكيليين ... إلخ .
وكأن شعراء ( البعارين ) صاروا جهة اهتمام لمثقفينا لو لم يكن المستضيف ... سلطة ..

الأخ محمد سعيد
يسعدني تواجدك المستمر هنا ,
ويسعدني أيضاً تواجد حسين عبدعلي
لكلاكما تحية مسك و عنبر و lacoste..

اضيف في 22 ابريل, 2007 02:03 م , من قبل مجتبى عبدالمحسن
من البحرين said:


الجميل جعفر العلوي...

تحية نديـَّـةٌ وقناديــل...

بلا موعدٍ حملتني الريحُ إلى عينِ "جنـيـن" النجلاء...

فوجدتُكَ أنتَ الآخر تتسمرُ على قارعة الضوء مشدوهاً...

مع كل أولئك الذين تحرروا من مقاسات الكراسي، فبسطوا غيومَهم على حضن الأرض...

تنتقي إيحاءاتِكَ من مساحاتِ الجنون...

كمارسيل الذي اشتعل رأسهُ شباباً وهو يترنم ملتحماً مع إيقاعات "الزغاريد، والقهوة الشعبية، والكمنجات": ماذا سأفعل بكل هذا الحب ؟...

إنه رهان التوغل مع الإنسان وتجليات "قل هو الحب"...

في تلك القاعة... كان القلبُ مشرعاً للمدى والحكايا... حيث باب التأمل مفتوحاً على مصراعيه...

هناك تتباهى الخطابات "بشطحاتها ونُكاتِها"...

وتُرْسَـمُ على الجدرانِ مشاهدُ تتعانق فيها الورود والأفياء...

صدقاً... إن جذور الحلم المنغمس في تربة الإبداع... راسخة.. وعصية على الاقتلاع....

تظل المشانق دون الثقافة وهواء الحرية...


عزيزي... ج ع ف ر

ككل الأنبياء الذين يروق لهم التواجد في حضرة الحب... شكراً
لك وللأصدقاء جل المودة والألق..
 كن بخير 
مجتبى







اضيف في 22 ابريل, 2007 11:11 م , من قبل abojenin
من البحرين said:

الكريم مجتبى ..
أنتصبُ مقاماً تنيخُ فيهِ رحلكَ بعد رحلة " جنين " وطلاسم هذه الشقراء الجميلة لأجد لي مكاناً آخراً ساجداً بين تمتمات الحب .
بينها وبين عيوني بندقية واحدة فقط ,,
أغني بجنون مارسيل فيرتد الصدى بزئيرها

مجتبى
تحية نديّة و مناديل
أرسلها لك ولكل الذين تحرروا معنا
ولمارسيل و المجنون

اضيف في 29 ديسمبر, 2007 09:03 ص , من قبل زينب الليث
من الأردن said:

متمرد أنتَ يا شقيقي ..!

تجيد القفز كقرنفلة .. في الحقل ..

=) أبتسم و أنا اقرؤك .. دائماً ..

يقول لي دكتوري .. أن المثقفين هم مجموعة مرضى نفسيين يدعون أنهم أعقل من غيرهم !!!


لكَ الندى و المدى ..



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية