لم يشك القريبون منه للحظة أنه راحل, لكنه الآن كان يترك أسئلة أخرى, كان يطبع في أذهانهم كل أسئلة ما بعد الرحيل ؟
- إلى أين يا حاج سلمان ؟
يسألونه فيبتسم !!
هذا الرجل التسعيني جدّي, حمّلني ذات يوم رسالةً لكل الأصدقاء الذين يتجمعون عند زيارتهم لي بالقرب من زاوية جلوسه كل مساء, قال لي : سلِّم عليهم , قلت :
- سيأتون
- ربما لن يستطيعوا
التفتُّ إليه باستغراب .. تدارَك
- مشاغل الحياة كثيرة يا ولدي .

في غرفة أشبه بدير الراهب, كان يقضي أغلب أوقاته فيما عدا سويعات خروجه لزاويته المعهودة بالقرب من منزله ومنزلنا القديم, وحيث لا يكون في تلك الزاوية, لن تجهد في العثور عليه متسمراً في غرفته المتهالكة أمام مذياعه, يستمع لإذاعة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
(يا حيّاك), يستقبلك بها هذا الأشيب ليكشف عن رغبة فاضحة في الاستئناس بأي كلام يبعده عن دمويّة السياسة , و رغم ذلك لا ينفك يسأل:
جمريكم شخباره ؟ *
- هذا هو على حالته .
يبتسم ..
- ما قصروا فيه آل السقيفة**, الله يشافيه .

كالمفيق من صبوته, كان يطرب كثيراً إلى حضور الفعاليات السياسية الكبيرة في البحرين, كانت ثمة أغنية نصر يراها دائماً ويرددها, اعتاد رفض الظلم, فعوّدنا إياه, كان يردد إبان أحداث التسعينيات دائما ً وكنا نستمع إليه بإنصات:
البرلمان هو الحل, وإلاّ يا ظالم ارحل
عشقناها فكتبناها .
********
لم تفارقه لذّة الرفض حتى في مرضه الأخير, كانَ يغضب بشدة لأخذ الأطباء عينات من دمه لفحصها, وبكل قوة صوته الخافت كان يواجههم..
- بسكم من دمي شربتونه لما شبعتون, وديتونه لخلفوه*** و وديتونه لجرحى اليهود !! باقي من بعد ماشرب من قطرتين هالدم ؟
الأطباء يضحكون .
********
في ليلة وداعه الأخير أهدانا خواتمه, أخضر و أحمر, لم يكن أقرب للذهن من تلك الإشارة الحزينة للوداع
لم يمهلني لكي استيقظ في الصباح على نبأ رحيله .
********








said:


said:







من البحرين