هذا الأسمرُ القصير ... جدّي
 

 

تصوير جعفر العلوي

 

لم يشك القريبون منه للحظة أنه راحل, لكنه الآن كان يترك أسئلة أخرى, كان يطبع في أذهانهم كل أسئلة ما بعد الرحيل ؟

- إلى أين يا حاج سلمان ؟

يسألونه فيبتسم !!

هذا الرجل التسعيني جدّي, حمّلني ذات يوم رسالةً لكل الأصدقاء الذين يتجمعون عند زيارتهم لي بالقرب من زاوية جلوسه كل مساء, قال لي : سلِّم عليهم , قلت :

- سيأتون

- ربما لن يستطيعوا

التفتُّ إليه باستغراب .. تدارَك

-  مشاغل الحياة كثيرة يا ولدي .

******

غرفة جدي

 

في غرفة أشبه بدير الراهب, كان يقضي أغلب أوقاته فيما عدا سويعات خروجه لزاويته المعهودة بالقرب من منزله ومنزلنا القديم, وحيث لا يكون في تلك الزاوية, لن تجهد في العثور عليه متسمراً في غرفته المتهالكة أمام مذياعه, يستمع لإذاعة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

(يا حيّاك), يستقبلك بها هذا الأشيب ليكشف عن رغبة فاضحة في الاستئناس بأي كلام يبعده عن دمويّة السياسة , و رغم ذلك لا ينفك يسأل:

جمريكم شخباره ؟ *

- هذا هو على حالته .

يبتسم ..

- ما قصروا فيه آل السقيفة**, الله يشافيه .

*******
 

 

كالمفيق من صبوته, كان يطرب كثيراً إلى حضور الفعاليات السياسية الكبيرة في البحرين, كانت ثمة أغنية نصر يراها دائماً ويرددها, اعتاد رفض الظلم, فعوّدنا إياه, كان يردد إبان أحداث التسعينيات دائما ً وكنا نستمع إليه بإنصات:

البرلمان هو الحل, وإلاّ يا ظالم ارحل

عشقناها فكتبناها .

********

لم تفارقه لذّة الرفض حتى في مرضه الأخير, كانَ يغضب بشدة لأخذ الأطباء عينات من دمه لفحصها, وبكل قوة صوته الخافت كان يواجههم..

- بسكم من دمي شربتونه لما شبعتون, وديتونه لخلفوه*** و وديتونه لجرحى اليهود !! باقي من بعد ماشرب من قطرتين هالدم ؟

الأطباء يضحكون .

********

في ليلة وداعه الأخير أهدانا خواتمه, أخضر و أحمر, لم يكن أقرب للذهن من تلك الإشارة الحزينة للوداع

لم يمهلني لكي استيقظ في الصباح على نبأ رحيله .

********

هذا الأسمرُ القصير جدّي,
كانت هذه كلماتٌ سقتها في حضرة الشيخ عبد الأمير الجمري رحمه الله, الرجل السمح والشخصية الفذة التي عجزت عن أن تجود بها البحرين مرة ثانية, قلتها لمناسبة تعريف الشيخ بجدي الحاج سلمان رحمه الله, لدقائق غدوتُ مُحرجاً حين قام الشيخ ليقبل جبهة جدي السمراء المجعّدة ملتفتاً لي :
وهل ثمّ ذاكرةٌ تنساه ؟
  ________
* في إشارة للشيخ عبد الأمير الجمري الذي كان طريح الفراش قبل أن يختاره الله
** في إشارة للأسرة الحاكمة في البحرين .
*** إشارة لرئيس وزراء البحرين .


أضف تعليقا

اضيف في 24 ابريل, 2007 02:40 ص , من قبل e7sasy24
من البحرين said:

سردٌ يبعث على الدفء.. سردٌ تختزل فيه التاريخ بقصر جدّك.. سردٌ أخذني بكل ما فيه من رائحة الطين..

هذا أنت..
وهذا جدك الأسمر القصير..
كلاكما تنطبعون في الذاكرة..

أهنئك بعنف على (هذا الأسمر القصير.. جدي)..
حسين عبدعلي

اضيف في 25 ابريل, 2007 10:15 م , من قبل صوت الضمير
من البحرين said:

لم يكن قصير بل كان عملاق الى حد الشموخ لم اعرف هذه الحقيقة الا عندما فهمت الفكر السياسي في تحركات السيد الخميني وعندما رحل.

قبل ذالك كنت اتعجب واقول في نفسي ياعمي العزيز مالك وهذا العناء ولماذا تحرص على اصلاح ذاك المسجل القديم فقط لتسمع الاخبار ؟!.ومع الاسف رحل قبل ان اسمع الاجابة.

و لكن مما لا شك فيه انه كان يعتقد انه من الواجب ان يعيش ويعرف هموم الامة بنظرة اسلامية اتصور انه كان ينتظر دولة العدل الالهي لم يكن يعتقد ان السياسة قذاره كما يصور البعض كان يعتقد ان السياسة دين والدين سياسة وهذا فهم متقدم جداً قصر الكثير من اصحاب الجامعات والشهادات ان يصل له.

لم يكن هذا الرجل رجلا عادي أبداً

شكرا على الموضوع على هذا الرحلة داخل الروح

اضيف في 30 ابريل, 2007 12:41 م , من قبل abojenin
من البحرين said:

الرائع حسين ..
أثرت فيّ رائحة الطين ورائحة الحب
كنت أهمُّ الآن بلهفة العشيق لغواية حبه , إلى ترسيم ملامحه , أتعبني هذا السرد حد البكاء , ولايمكث العظماء ..

اضيف في 04 مايو, 2007 05:21 م , من قبل mohammed55saeed
من سوريا said:

صديقي :
أخذني سردك هذا معه حتى ظننت بأن الذي تتكلم عنه هو جدي انا وليس جدك .
لا أعرف لماذا كلماتك تطرق القلب بدون استئذان وتسكن فيه .
سرد جميل مليئ برائحة البيوت القديمة
ورائحة الحنين .
ورائحة الارض بعد المطر .
دمت بخير صديقي .

محمد سعيد

اضيف في 05 مايو, 2007 12:26 م , من قبل abojenin
من البحرين said:

الصديق عبدالله ..
من الصعب جداً سبر أغوار هذا الرجل ,,
ربما يكون الأمر أكثر صعوبة الآن بعد تسعينية عظيمة فارقها ,,
غير أنه من السهل جداً القول بأن كل أفكاره كانت تجبرك على الإصغاء لها والتعمق فيها على اختلاف التوجهات .

اضيف في 05 مايو, 2007 12:29 م , من قبل abojenin
من البحرين said:

الشقيق الصديق محمد سعيد
ربما يكون ذلك التسعيني جدي ,, وجدك
هو في الواقع ذاكرة تنهكُ أسماعنا دائماً بمواويل الشقاء التي غنتها ,, فلاننسى أن نغنيها نحن الآن,,
ولكننا نبدو الآن أكثر يتماً وضياعاً

لنا الله

اضيف في 22 مايو, 2007 04:15 م , من قبل cnngirl
من البحرين said:

السلام عليكم ..

أخي ..
يمثل جدك .. الروح البحارنه السائدة بيننا ..
برغم بساطتها ..
و لكن يترك وصفك طابعاً خاص .. ليظهر رونقاً لم نلمحه من قبل ..

شكراً لك يا أخي .. قرأت لتوي عن كهل .. ضج عمره بالكفاح ..
قرأت لتوي .. عن رجل أعادني بالذاكرة .. لعيني جدي ..

فشكراً لك ..

شظايا ..

اضيف في 06 يونيو, 2007 09:32 م , من قبل noono111
من البحرين said:

أنك تتحدث عن روح بحرينية أصيلة لا تغيرها السنين، ألفت حب الوطن وجعلته زاداً لها، لذا لم تأبه بزاد غيره. ليس بغريب أن يقبل "أبا الجميع" جبهة جدك، لأنه وجد فيه قلباً رحيم، روح بحرينية أصيلة جبّلت على السماحه، حباً لا ينتهي للوطن.

روح جمعت الثقافة الدين الأهل النفس المال و العرض في مكنون واسع كبير هو الوطن.
رحم الله الرجال، فهم قلة في عالم اليوم.

اضيف في 22 يونيو, 2007 04:44 م , من قبل nomore787
من البحرين said:

كلمات تضج بالاعتزاز
جميلة هي الذكريات
رائع جدا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية