دمشقُ التي اغتصبت ألقي
ذاتها الآنَ
تسألُني عن بقايا احمرارٍ
أضاعتهُ مابين أجنحتي حين عانقتها
من يصدِّقُ
أنّ دمشقَ تضيِّعُ حمرتها في جناحيَّ ؟!!
****
دمشقُ التي اغتصبت بهجتي
راودتني عنِ الحبِّ ذاتَ شتاءْ
فمكَّنتُها من بكارةِ روحي
ورحتُ أفتشُ للمرّة الألفِ
عن بعض طُهري
ليست دمشق المدينة التي تسافر إليك,
ولكنك لستَ من يسافرُ إليها أنت الآخر
في سفرك عنها, تبدو المسافة بينك وبين دمشق بعيدة جداً, حدّ أنكَ لا تحاول حتى أن تعمل خيالك للوصول إليها.
وفي سفرك لها, لايمكن أن تصدِّق أنّ الطريق منك إلى دمشق, هو فقط هذه الصحراء التي تقطعها في ساعات.
وحين تصل,
تكون دمشق ..
وطنك الذي غادرته للتو !!
لم يكن شتاء دمشق وحدهُ ينتظرنا, كانت شمسها تعاونه تحمُّل مشقّة انتظارنا أيضاً, كانت منتصبة هناك تثبِّت أشعتها بصعوبة بين كتلة السحب السوداء وقطرات المطر المتساقطة بخجل, من أجل أن لايكون الشتاء وحده من يستقبلنا ببرودته, ودمشق تعرف جيداً أننا -ونحن القادمين من أكثر المناطقِ تعطشاً للبرد- لن نتمكّن من تحمل شتاءَها لوحده.
قبل يومين فقط كانت سماء دمشق تتلون بلون أزرق مطعّم بالأبيض, أخبرني صاحبي الذي سبقنا إليها بذلك, وكانت الشمس وبشكل فاضح جداً لاتخجل من معانقة تربة الشام الحمراء, كنا أيضاً نتابع أحوال الطقس في دمشق حتى قبل أن نصل بشهر, هذه المرة لم تكن مذيعة نشرة الأحوال الجوية كاذبة كعادتها, ولكنها دمشق, أرادت أن تكون هكذا في يومنا الأول.
الساعة الآن الخامسة مساء, وأنا المنهكُ الواصلُ للتو .. مغرمٌ برائحةِ الليلِ في دمشق, يبدو لي حينها أنّ من صنع الهاتف المحمول لم يكن يفكر في أن يكونَ محمولاً حتى في السفر أيضاً, أطفأتَه .. قبل أن يقطع أحدهم تفكيري:
- صديقك السوري على الهاتف.
من يصدِّق أيضاً, محمد سعيد .. (الشاعر الحر الفوضوي الساحر .. المفكر مؤخراً) معي الآن على جوالي, وكنتُ قبل يومين قد حملته عبء أن يحصل لي على تذاكر حضور حفلة السيدة فيروز التي تقيمها في دمشق بعد 22 عاماً من غيابها عن بهجة السوريين واحتفاءهم بها, فاجأني محمد باتصاله, ليس لأنهُ لم يستطع الحصول على بطاقاتي لحضور الحفلة, لأني كنتُ أعرف أنّ يوم وصولي هو آخر يوم لحجز البطاقات و كنت يائساً من الحصول على تذكرة حب إلى فيروز, ولكنهُ الآن فاجأني وهو يزف إليّ أملاً آخر في الوصول اليها.
***********
"في دمشق ينام الغريب
على ظله واقفاً
كمأذنة في سرير الأبد
لا يحن إلى بلد أو أحد"
محمود درويش
مخبولٌ من لا يصدق أن دمشق مدينة ساحرة, يمكنك ببساطة أن تكتشف سحر هذه المدينة الكبيرة حين تخرج في الخامسة صباحاً, هكذا وللوهلة الأولى اعتقدنا نحن المخبولين أنّ محمد سعيد صديقي الشاعر الحر, أراد لنا أن نفيق مبكراً من أجل أن يرينا سحرها, حيث تواعدنا أن نلتقي قرب محل قطع التذاكر بدار الأسد للثقافة والفنون في السادسة صباحاً, ومحمد هذا الصديق, يسافر عن مدينته الجميلة حلب منذ الثانية عشرة من منتصف ليلة البارحة وحتى السادسة من صباح اليوم, اتفقت أن التقيه هناك ولكني لا أعرف عنه سوى اسمه, وعمره الذي أخبرني لاحقاً أنّه كتبه في جيران من أجل "التمويه" وتجنب إعجاب الفتيات, أوووه .. نسيت أني كنت أعرف عن محمد هذا قلمه المشاكس ورغبته الجامحة في تحطيم كل تابوهاته وأحياناً حتى تابوهات الآخرين أيضاً.

باقترابنا من البوابة الرئيسية للدار اقترب منا شاب بكل هدوء ..
- صباح الخير, الشباب بدّن يحضرو فيروز؟
ثم بدأ في تسجيل أسماءنا ماإن أخبرناه برغبتنا, طوال تلك الفترة كنت أبحث في الوجوه محاولاً أن يتقرب إليّ أحد من العشرة الذين كنت أتخيل أنهم محمد سعيد, لا أحد .. ليس محمد ذاك الشاب الأبيض ذو الشعر الكستنائي الذي يشبه إلى حد كبير فتيات دمشق, وليس هو ذاك الطويل الذي يمشي بالقرب من النافورة, وليس هو .. قبل أن يظهر من بين كل هؤلاء, شابٌ أسمر رشيق تبدو على وجهه بجلاء آثار سفر استمر لست ساعات من حلب إلى دمشق.
قهوة دافئة ..وعناق أكثر دفئاً
بماذا سيبرر لي محمد وقوفي منذ الصباح الباكر أمام "دار الأسد"؟, لم يفعل, ولكنهُ أطفأ انتظاري لإجابته بفنجان قهوة أعدته له (لينا), كنت شغوفاً بقهوتها إلى الحد الذي اضطر معه أن يتوقف عن سكبها لي ليشرب رفاقي منها قبل أن أشرب آخر قطرة من ابريق لينا الذي أضاعه لاحقاً.
وقبل أن يجيب أسئلتي بعد أن نضبت قهوتها الرائعة, عرّفني على محمد آخر رافقه سفره من حلب, محمد حموده ذاك كما عرّفه لي محمد سعيد "صحفي في مجلة ثقافية لايقرؤها أحد", رائعٌ هو الآخر حد الذهول, لم يسعفني الوقت حينها للتعرف عليه أكثر إلا أنني اكتشفت روعته تلك في دقائق معدودة قبل أن تفتح البوابة الجانبية للدار ويبدأ الحارس بمناداة الأسماء, وعند الرقم ثلاثين كنّا أنا ورفاقي نتقدّم إلى داخل الدار, وكنت لازلت أعتقد أنّ الدوائر الرسمية عند السوريين تفتح في هذا الوقت المبكر جداً.
طيلة ثلاث ساعات كانت سماء دمشق تغازلنا بأعلى صوتها, اضطررنا ونحن القادمين اليها بلا مظلات ولا معاطف دافئة, أن نتشارك مظلة كان قد أحضرها محمد معه أودعته إياها "لينا" مرة أخرى, ومرة أخرى أيضاً أضاع محمد المظلة كما ابريق القهوة الجميل ذاك, لينا إذاً, كانت دفئنا الذي أضعناه في يوم كان السوريين أنفسهم مفاجئين بقساوة برده.
والحقيقة أن لا معاطف كان يمكنها أن تقينا ذلك البرد القارس ولامظلات, كانت قهوة "لينا" فقط و صوت فيروز وهي تغني على لسان فتيات في آخر الصف ..
" أديش كان في ناس
ع المفرق تنطر ناس
وتشتي الدني
ويحملوا شمسية
وأنا ف إيام الصحو ما حدا نطرني "
فنجان قهوة لايكفي .. فيروز التي حضرت لتفتتح احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية, لم تكن بحاجة إلى أن تُسمع السلطة صوتها, بإمكانهم أن يسمعوها في المذياع كل يوم, "فيروز جاءت لتغني لنا .. و لدمشق".
2000 ليرة لاتكفي .. لم يعد بإمكان هذه الحشود التي جاءت منذ الخيط الأول من الفجر, إلاّ أن تلمّ مظلاتها المبللة, وتغادر .. وسيستمتع أصحاب السيارات الفارهة منذ الثامن والعشرين من يناير وحتى الرابع من فبراير بمشاهدة "صح النوم" ولن يستقيظوا.
كل ذلك لايكفي .. سيكون على مريدي صوتها أن يقضوا أياماً ثمانية بعدها وعديدها, بانتظار أن يحصلوا على بطاقات لحضور مسرحية "صح النوم", وستكون كل البطاقات محجوزة حتى قبل أن يصل دور ذلك الشاب الأبيض الموجود منذ الثانية فجراً ليكون أول الواقفين في الصف الطويل, وعندما يبدأ موعد قطع التذاكر في العاشرة والنصف صباحاً سيكون أول من يقال له : خلصو التذاكر, تع بكرة .
مشهد متكرر عايشته طيلة الأيّام التي تلت وصولي إلى دمشق و قضيتها مع رفاقي في انتظار الحصول على تذكرة دخول لمسرحية "صح النوم", وخلالها .. لم تكن بحاجة إلى سؤال أحدهم ليخبرك شيئاً, وكأن الجو البارد يجبرهم على الحديث المتواصل عن فيروز, عن جنّة الله في الأرض, عن آخر معجزاته.
اووووه .. نسيت كم أنا محظوظ, ألم أقل لكم أيضاً أن حمودة هذا يمكنه أن يفعل أي شيء إلا السكوت؟, تسلل للحظات وعاد محملاً ببطاقتي دخول .. لي وله فقط .
لا أزال أتذكر بعد قرابة شهر أنّ أناساً لم يتحملوا فرحتهم لدرجة أنهم وحال حصولهم بعد عناءهم الطويل على بطاقات الدخول كانوا يرقصون أمام الحشود التي بدأت في التفرق عند الثالثة عصراً, ولا زلت أتذكر أيضاً بكاء الفتيات وصراعهن مع الشرطة من أجل الحصول على مبتغاهن, كان الشرطي الواقف أمام الصف يصرخ كل خمس ثواني : ارجعو لورا .. ماحدا بيدخل الا لما ترجعوا لورا.
ولكن أغلب المساكين هناك كانوا يعرفون أنّ عودتهم للوراء لن ترجعهم بيوتهم ببطاقة فيروز, رغم ذلك كانوا يعودون أدراجهم كل خمس ثواني, أذكر أن أحدهم قال: طول عمرنا ما مشينا لإدّام.








said:


said:







من سوريا