
كتاب واحد فقط, رغم أني أعددت خلال الليال السبع التي قضيتها هناك قائمة تتألف من حوالي 15 كتاباً بيتُّ النيّة لشرائها, ربما عدلت عن ذلك لاحقاً, لأني عدت للتو متشبعاً من دمشق التي احتضنتني مكتباتها واستقبلتني من على الأرصفة أو من داخل الأسواق القديمة. ربما, وربما لأنّ شراء خمسة عشر كتاباً يحتاج إلى سيولة لا تتوفر إلا في الأيام الخمسة الأوائل بعد الراتب, ربما, وربما لأني قعدت حبيس المرض طيلة أيام المعرض الأخيرة التي عقدت عزمي على الشراء خلالها, ربما أيضاً, و لكنه لازال كتاب.. كتاب واحد فقط.
أنا الآن مسرورٌ جداً لأني اكتفيت بشراء "زمن الخيول البيضاء" رواية الكاتب ابراهيم نصر الله وليس غيرها من الكتب قبل أن يستلّني المرض ويقعدني عن المعرض, لشيئين, الأوّل أنها كانت مؤنستي طيلة سبع ليال عجاف قضيتها ملتحفاً صورة تلك الفرس البيضاء على غلاف الرواية, ومن ناحية أخرى متوسداً صور نصر الله الإبداعية الحميمية التي تباغت مخيلتك بين فكرة وأخرى, حدث وآخر, في خمسمائة ويزيد من الصفحات, والسبب الثاني في مبلغ سروري هذا هو أنني حين عدت للمعرض في وقت متأخر من يومه الأخير, كانت دور النشر تجمع كتبها من على الرفوف وتستعد للمغادرة, وكان نصر الله الذي حضر المعرض ليومين أو ثلاثة لتوقيع روايته, قد سافر, وكان سيسافر دون أن ألتقيه لولا أنه وقّع نسختي في أيام حضوري الأولى للمعرض وتعرفت على روحه النظيفة الطيبة خلال يومين أو ثلاثة من تواجدي هناك.
لاحقاً سأسدد لمسئولي في الصحيفة ثمن خيانته لوعده الذي قطعه لي من قبلُ بأن نكون معاً على طاولة واحدة أنا وهو و نصر الله الروائي خلال زيارته البحرين, ومع أن ذلك حصل ولكن مع أشقّاء آخرين -مما يزيد شدة حنقي عليه- سأتجاوز الآن كل ذلك لأتحدث عن نوبة الحمى النفسيّة التي عصفت بي تباعاً بعد انفلونزا الجسد.
مع احترامي الشديد لكل العروض التي قدمت في احتفالية الصواري الأخيرة بيوم المسرح العالمي, ولكل المشاركين في الندوات التطبيقية التي تلت العروض -احترامي هذا في الأساس نابع من أنني لاشيء قبال أن أنقد المسرح أو التجربة المسرحية في البلد-, إلا أنني مستاء جداً جداً لدرجة تمنيت معها لو لازمتني الانفلونزا إلى مابعد انتهاء مهرجان الصواري أو على الأقل لو أنها أصابتني مجدداً في ليلة عرض مسرحية "شخابيط" لفرقة أوال المسرحية للمخرج حسن منصور فقط, وسيعرف قدر أمنيتي العظيمة هذه صنفان من البشر, الأول هو من لازمته الانفلونزا الحادة لاسبوع كامل, والثاني الذي سيفهم أمنيتي هو كل "ذي لب" حضر عرض "شخابيط" و تحديداً الندوة التطبيقية التي تلته.
قلت أنني لاشيء قبال أن أنقد عرضاً مسرحياً, وأنا بالفعل كذلك, لكني أفهم جيداً أن مهمة الناقد المسرحي الذي يؤتى به ليتسمر أمام الجمهور ويحدثهم عن العرض الذي شاهدوه للتو, هي محاولة إكمال للعرض "الناقص", وسد الثغرات التي سقطت من وعي المخرج أو من لا وعيه حتى, خلال إخراجه للعرض والنص, وكل ذلك يتم طبعاً بدون وجود أي تصور مسبق يضعه الناقد حداً بينه وبين مهمته السامية تلك, من قبيل تجربة المخرج المسرحية العريضة في المسرح أو جودة أعماله السابقة أو اعتناءه بالممثل على مدى مشواره الفني الطويل, وماإلى ذلك. وأفهم أيضاً أنه وتحت أي ذريعة من هذه الذرائع سيكون الناقد محاصراً بحدود تطعن في مصداقية نقده وتشكك في جديّة مايقدمه للمسرح من نقد ومايضيفه من إفادة لأبو الفنون, وهذا بالضبط – حسب رؤيتي- ماحصل للعرضين الأول والثاني من مجموع الأربعة عروض التي قدمت في احتفالية هذا العام.
عدت مجدداً لأنتقد؟!!, لا لا .. أنا فقط مستاء جداً مما حصل في الندوة التطبيقية لعرض شخابيط, ومحرَج جداً جداً من "الهجمة" التي تعرض لها الناقد السعودي عباس حايك بعد انتهاءه من قراءة ورقته النقدية التي أعدّها عن هذا العرض, وأكاد أجزم أن الرجل لو كان يعلم ردة الفعل العنيفة التي ستلحقه من الحضور -منهم فنانين مسرحيين و مهتمين دائمين بالمسرح-, لما وافق على تقديم هذه الورقة أمامهم, ولاكتفى بإرسالها عبر البريد الالكتروني إلى موقع مسرح الصواري -الذي تم تدشينه بالمناسبة مع انطلاقة المهرجان- والاخوة في الصواري بدورهم يقرأونها على الحضور وعلى المخرج.
لم يصل الأمر إلى حد التعارك بالأيدي, حسناً, هذا يهون الأمر كثيراً. لكن المخرج حسن منصور الذي كان جالساً بالقرب من الناقد عباس حايك على طاولة الندوة التطبيقية لم يخفِ استياءه منذ البداية من نقد حايك, تماماً مثلما لم يخف بهجته الكبيرة التي تصل إلى حد التصفيق لوحده لما يقوله الآخرين ممن يردون على الناقد حايك ويمجدون في تجربته - المخرج-, وتوّج حسن منصور استياءه الذي لازمه طوال الندوة, بحركة أقل مايمكن أن يقال عنها أنها .. لاأدري!!, عبر تمزيقه ورقة كانت في يده و تجميعها بعنف بقبضته, كل ذلك ليشير في لحظة انفعالية إلى أنه لم يلتزم بنص خليفة العريفي الأصلي "كالمتفرجون" والذي نقده حايك في الأساس من خلال ورقته. التصرف أثار استيائي كغيري من الحضور, ولكنه لم يقل وطأة عن أفعال آخرين دافعوا عن عرض المخرج ضد عباس حايك, لدرجة أنّ الحاضر كاد فيها أن يسمع من وراء كلماتهم : "شعرفك انته بالمسرح؟".
قال أحدهم إن تجربة حسن منصور السابقة تكفيه, وآخر قال إنّه يعرف جيداً حسن منصور ويعرف ماذا يقصد من العرض, وثالث قال أن النقاد هم أخطر شيء على المسرح ولاحظوا معي كلمة "شيء", ورابع أيضاً وخامس, وفي لحظات بسيطة تحولت تلك الصالة إلى ساحة دفاع عن المخرج حسن منصور أولاً, ومن ثم الإتجاه قليلاً الى العرض كعرض مسرحي قابل للنقد أو على الاقل القراءة, ومن بينهم كان المخرج حسن منصور يدافع عن مسرحيته معتبراً "النقاد المسرحيين (نصيّين جداً) وأنه لو فرض على أي ناقد أن يعقّب على نص دون أن يقرأ نص المسرحية لما استطاع أن يقول شيئاً".
هي حادثة صحيح, ولكنها تضعنا أمام أسئلة كثيرة عن مستقبل نقد المسرح في البحرين في ظل عدم تفهم المخرجين لوظيفة النقاد ودورهم, من هذه الأسئلة سؤال مهم أطرحه لأختم تدوينتي المريضة هذه, سؤال يدور حول إمكانية إلغاء الندوات التطبيقية بعد العروض والاستعانة بالجمهور المكون من الفنانين المسرحيين "الفاهمين بأمور المسرح", بالإضافة إلى أصدقاء الممثلين وأهاليهم الذين يحضرون عرضاً مسرحياً واحداً كل عام, من أجل أن يشاهدوا أقربائهم على المسرح, الاستعانة بهؤلاء من أجل الحكم على العرض, أو ربما يكفي فقط أن نسمع قهقهات هؤلاء على كراسيهم لنكتشف قيمة العرض ومدى جودته, سؤالي هذا أغلفه بمسمى "اقتراح", وأرفعه للقائمين على مهرجانات المسرح في البحرين, و "خل يفكونا, بلا نقّاد بلا بطيخ .. بلا تشقيق أوراق".







said:




said:




من البحرين