حياة الآخرين .. كتاباتهم


 

حياة الآخرين .. كتاباتهم


لها طعم يشبه رائحة الكاكاو .. أو رائحة القهوة. ربما نختلف في رغبتنا وفي حاجتنا لها من وقت لآخر, لكننا بالطبع لن نستطيع مقاومة تلك الرائحة حالما تقترب من أنوفنا. سنقع في شباكها دائماً مع أي حالة إنسانية آنيّة. وربما مستمرة. من يصدق مثلاً أن قارئاً يضع من يديه جدارية محمود درويش ولايرغب في الكتابة. أو ينتهي من مقال لأنسي الحاج ولا يفكر في أن يعيشه لحظة يكتب, أو أن يقرأ أحدهم كتاباً كـ "الإرجوحة" للماغوط مثلاً, فلا يهلوس سراً أو علناً بأنه يفكر في أن يصبح روائياً ويبدأ مشروعه منذ اللحظة, أو هل يمكن لأيٍ كان أن يتخلص من هذه الرغبة بعد أن يشاهد فيلماً كفيلم " حياة الآخرين"؟.

فعاليّة الكتابة كمشروع تعمق, أكثر من فعاليتها كمشروع للبوح. بالنسبة لي على الأقل, أقول ذلك لأنني أفكِّر كثيراً في أن أكتب عن أشياء أكثر تمر في مختبري اليوميّ, قصص, أحداث, حكايات, قصائد, أفلام. مغامرات. أحياناً كثيرة أضع تصوراً كاملاً لما سأكتب ولكنني أتوقف. وأحياناً أكثر لا أتمكن من مجرد التفكير في تصور عام للكتابة. ولكن في الحالتين تشدني فكرة الكتابة للتعمق. أن تكتب عن شيء يعني أن تعيشه. تمارسه كطقس روحي ولن أقول ديني, لأن الممارسة الدينية –بغالبها- مجوّفة من الداخل. والروح لاترتبط أبداً بالخواء. الروح .. هي الشيء الوحيد المحسوس في الأجسام.

أقول ذلك أيضاً, وأنا أدوِّر للمرة الرابعة قرص الفيلم الألماني "حياة الآخرين" the lives of others. أستمتع جداً بالانجرار وراء كل مشاهده للبحث والتقصي عن فكرة تدهش أو تزيد الدهشة. هكذا بكل بساطة, يجعلك مخرج الفيلم الألماني فلوريان دونرسمارك تعيش هاجساً تفكيكياً, يبدأ من آخر مشهد في الفيلم. فيرغمك على أن تعيد قراءته بشكل آخر في كل مرة تعيد تشغيله.

لا يخرج الفيلم عن تصوراتنا للكتابة. حياة الآخرين, كتاباتهم. كيف نقرأها لنعيش تجاربهم. درويش في جداريته يفتح لنا الباب لنقرأه, والماغوط الأشبه بالمرآة يتيح لنا أن نشاهد أنفسنا دائماً أمام نصوصه. أنسي الحاج أيضاً. وأيضاً هذا الفيلم الذي يعطينا تصور مغاير للكتابة. لداخل الكاتب الذي يستوقفنا لنعيد التفكير. لنرسم التحول ونصوِّب الإتجاه. هذا تماماً مايحدثه الفيلم في شخصية "المخبر" وحتى في شخصية المتفرج العادي من وراء الشاشة.

"its for me" .. عبارة جميلة مؤطرة. "إنها لي" .. يقولها في نهاية الفيلم مخبرٌ اشتراكي من ألمانيا الشرقية قبل اتحاد الألمانيتين وانهيار جدار برلين بسنوات قليلة- وهو الإطار الزمني الذي تسير فيه أغلب مشاهد الفيلم-,. يقولها الممثل "أورليتش موه" وهو يشير إلى كتاب لأحد الشعراء – يقوم بدوره "سباستيان كوتش" – في إشارة إلى الإهداء الذي رسمه الأخير على الصفحة الأولى من الكتاب.

هذا ملخص الحكاية لكي لااستغرق في سرد تفاصيل الفيلم. فالمخبر وهو معلِّم تجسس ومحترف في أصوله وتقنياته, يُكلَّف بمراقبة الكاتب والمثقف لشكوك حكومة ألمانيا الشرقية الاشتراكية في مراسلات تجري بينه وبين ألمانيا الغربية. في ظل حصار ثقافي حديدي فرضته الحكومة الاشتراكية على المثقفين والكتاب خصوصاً. من هنا يتوغل المخبر في عملية التجسس التي تحيله إلى فهم مغاير للأشياء. فيبدأ التحول من مراقب للأحداث إلى مؤثر رئيسي فيها. عملية التجسس تجعلهُ يتعرف إلى اشياء أكثر وضوحاً. ثقل صدمته بالحياة الرتيبة والمملة والفارغة التي يعيشها تجعله يتصور حياة الكاتب وكأنها حياته. بعبارة أخرى يمكن القول أن المخبر الاشتراكي يتلصص على ذاته في حياة الكاتب. يكتشفها ليعيد إنتاجها.

إذاً, كيف يمكن لفعل "التجسس" القبيح أن يتحول إلى فعل مواربة, فعل تستّر حسن. أو كيف يمكن أن نقدم صورة أخرى للقبح بشكله المنمط, نحوله إلى شكل عائم ضبابي. يبدو أنه قدر الديكتاتوريات التي تفرض على الإنسان طريقة حياة تختارها له. أن يكتشف متى مااتيحت له الفرصة, حياة أخرى. أو أنه قدر الكتّاب. أن يكون القاريء أكثر وعياً متى اقترب من منطقتهم. لذلك يهرب المخبر من حياته التي يكتشف أنها كذبة كبيرة لعبت في تشكلها ثقافة الحزب الواحد والهيمنة الفكرية التي كانت تغطي ألمانيا الشرقية. ويقترب أكثر من حياة الكاتب من خلال مقارنة حياته الجنسية مثلاً,  أو أجواء الموسيقى و الأدب التي يعيشها.

التحول البسيط في مسار تفكير المخبر يجعله يرى الأمور بشكل أوضح. يقول لنا الفيلم ذلك. نحن بحاجة إلى أن نجرب "التنصت" على الآخر من خلال معرفته لنكتشف حياتنا. لنعرف من نحن. فالمهم أين نقف من الآخر لا أين نقف من أنفسنا لأن نقطة انزياحنا عن أنفسنا محدودة جداً.

أكثر مايميز الفيلم هو قدرته على حبك الأحداث والشخصيات بصورة محكمة جداً. لذلك تلعب التفاصيل التي يختارها المخرج بعناية, دوراً مكملاً لبقية أجزاء الشخصية. وترسل إلى جانب طبيعة الشخصية نفسها إشارات أخرى, فالمخبر صاحب الحياة الرتيبة يعيش حياة مسيَّرة تماماً. الانضباط الذي يعيشه والروتين الذي لايمكن أن يخرج منه في عمله يعطي دلالة أرادها المخرج أن يبرزها, لسيطرة النظام الاشتراكي التعسفي الذي كان يتعامل مع الإنسان كآلة. يظهر المخرج ذلك بوضوح في مشهد يمارس فيه المخبر الجنس كإنسان آلي. وكذلك إشارات اللون الذي يظهر فيه المخبر في لباسه في إشارة إلى لون حياته القاتم. الهدوء الذي يعيشه والذي يكتشفه بمجرد أن يختلط بحياة الشاعر المليئة بالفرح والموسيقى والحب والإثارة يقوده إلى شيء من الجنون. شي دفعه بقوة للخارج.

يقع المخبر فريسة خيارين. الوقوع أمام خيانته لمهمته في الحزب كمخبر. أو إيقاع الشاعر في قبضة الحزب بما يملكه من أدلة ضده جمعها من خلال مراقبته له. يتخلى عن كل شيء مقابل إنسانيته خصوصاً بعد أن يكتشف أن وزير الثقافة يبتز زوجة الشاعر ليمارس الجنس معها. يكتشف أن مهمته ليست سوى مسألة شخصية بين وزير الثقافة المغرم بزوجة الشاعر وبين الشاعر الذي يحاول أن ينبهه لما يجري لزوجته من وراءه.يبدأ الفيلم في أخذ منحى تصاعدي هنا. يبرز المخبر كمؤثر فاعل في مسار الفيلم بأحداثه المتصاعدة. يخبئ الفيلم هذه الأحداث في تواز مع إطاره الزمني الذي يقترب من نهاية الحقبة الاشتراكية. حتى سقوط جدار برلين الذي يحيل الفيلم الى وتيرة دراماتيكية هادئة.

هذ المتناقضات في حياة المخبر كان يقف وراءها شاعر لايقل غموضاً و إنسانية عن بقية الشعراء, منذ خروجه الاول على الشاشة تستطيع أن تتلمس هدوء وطمأنينة الشاعر لديه. يرفض بشدة أن يكون تابعاً لنظام شمولي مارس استبداده على أفكار الناس. الممثل استطاع أن يجسد تقلبات الشخصية وخصوصيتها بشكل واقعي. كيف تقع فريسة نظام تؤمن به. كيف تتخلص من عقدة السكوت. هذا مايبحث عنه هذا الشاعر طوال الفيلم. يحاول أن يتكلم بلغة المسرح وبلغة الجنس وبلغة الشعر وبأي لغة تجعله يلفظ صمته. لذلك يرتبط بالموسيقى حين لايتمكن من الثقة بأحد. ويبكي كطفل. ويتصرف كما لاتتوقع من أي إنسان عدا شاعر يمضي وراء احساسه وانسانيته.

يسقط السور بين الألمانيتين. تسقط كل الأقنعة ويكتشف الناس كيف كانوا يعيشون تحت ظل نظام مخابراتي يتجسس على أدق تفاصيلهم. يكتشف الشاعر أنه كان مراقباً وأن المخبر الذي كلف بمهمة التجسس عليه كان يتستر على نشاطاته. وكان تسائل في إحدى مشاهد الفيلم "كيف بمن سمع سوناته "بيتهوفن" العاطفية Appassionata أن لا يكون شخصا خيراً؟". تجيب خاتمة الفيلم على سؤاله. المخبر. أمام متجر كتب. يدخل يتصفح كتاباً للشاعر عليه إهداء من الشاعر إلى المخبر. يأخذه. البائع يسأله : "هل تريد أن أغلفه لك كهدية إلى شخص ما؟"

  - لا .. إنه لي .

 

 

 

 

 



أضف تعليقا

اضيف في 20 ابريل, 2009 01:04 ص , من قبل بتول حميد
من البحرين said:

أتعلم عزيزي!؟
حرض وصفكـ شوقي لـ رؤيته..


صباحكـ أمل لا يذبل...

اضيف في 21 ابريل, 2009 01:02 م , من قبل الإمبراطور سنبس said:

مرحباً شقيق ..

بلاشك أن الإنسان يتطلع دائماً للكتابة حين يرى أعمال الكبار، و تحديداً حين يدرك أن الكتابة عالم من الغواية ‎"بالنسبة للكاتب" .. و أيضاً أتفق معك أن الكتابة تعمق و تجربة فريدة في كل مرة يمسك فيها الكاتب القلم

لكن الكتابة في صندوق تعليقات جيران أمر مقرف جدا شقيق

اضيف في 21 ابريل, 2009 11:41 م , من قبل abojenin
من المكسيك said:

صديقتنا بتول ..
قلت إن الفيلم حرضني على الكتابة
ولكن لا يعني ذلك أنني وصلت إلى الذروة في فهمي له. أو في الكتابة عنه .. أنت بحاجة قطعاً لمشاهدة هذا الإبداع
ولاتقفي أبداً عند ترهاتي

الصديق سنبس ...
أنا أيضاً أتفق معك بشأن الكتابة في تعليقات جيران
خصوصاً بعد معاناتي الآن مع التطويرات الجديدة
التي ابتدعوها ..
لو أحصل أحد يشتغل لي على مدونة خاصة والله بحبه

اضيف في 21 ابريل, 2009 11:43 م , من قبل abojenin
من المكسيك said:

لا ومسويني أكتب من المكسيك ..
والله حالة ..
مرة هولندا ومرة المكسيك .. وأنا منرز هني
في هالجو المقحم
معاناة بلا حدود والله

اضيف في 22 ابريل, 2009 12:26 ص , من قبل الإمبراطور سنبس said:

شقيق بإستثناء تصميم الستايل المدونة الخاصة امرها سهل اربع خطوات لا أكثر و بوووووم مرحباً بك في رحاب الحرية

أما الآن لو تسمح لي أن أسب في مدونتك قليلاً ..

اما كما بتول أعجبت بسردك للموضوع وتشوقت له، وقمت بتنزليه إلا أني تفاجئت أن الوقح إبن الوقح و الحقير إبن الحقير الفظ قليل الأدب التافه السفيه الساهل قليل الصلوات أسود الوجه خايب النمرة أسود الرقاع عديم الأخلاق الشاذ المنحط المنحرف الحمـ .. الكـ .. إبن الـ ..حاط ليي موقعه في نص الشاشة !!

وين انشوووووووووف الفلم احنا من هالمووووووووووقع سحقاً له وتعساًَ و بئساً و تباً له - بمعناها في الافلام - خرب علينا ليلتنا و دمرهاااا

لكن ما عليه بدوره من موقع اجنبي و بنزله لأنهم هم فقط .. فقط فقط .. رجال و محترمين وخلوقين و عدهم ذوووووق و حياء و إستحياء من هاللوح البـقـ .. السبـ .. الي حاط وصلته يا ابا جنين
كنت اعزم ان ازور مدونتك في وقت متأخر من هذه الليلة لأكتب انطباعي عن الفلم .. لكن يبدو أن المسألة ليست بهذه السهولة

بس صراحة ما شفت واحد دليع مثله ! حطه الموقع بين فترة وفترة ما منقول شي على طول لعنه الله لعنة على الاقل حطه في محل صغييييييييييييييير

اضيف في 22 ابريل, 2009 12:41 ص , من قبل بتول حميد
من البحرين said:

اممم
صباح الخير عزيزي...
مدوّنتكـ والله راقت لي

حيآكـ بـ مكتوب سو لكـ مدونة هناكـ ")
ننتظر هطولكـ بـ شغف اخوي...

اضيف في 22 ابريل, 2009 10:40 م , من قبل abojenin
من المكسيك said:

شقيق بالنسبة لموجة السب العارمة التي اجتحت بها المدونة ..
أعتقد أن الأخ دش في المود وعباله رفع الفيلم عالنت
يعني صار ملكه .. صار شركة الانتاج مرة ثانية
ولايهمك شقيق ..
إذا تبي, نطرش لك الفيلم دي في دي .. ولو إن الحال
واحد لأنه المترجم فيه يقلب الذكر أنثى والأنثى ذكر
وكل دقيقتين يحط دعاية لشركة "البوق" تبعه بس على الأقل
جودة الصورة تنسيك ده كلو ..

بخصوص المدونة
جربت أكثر من مرة أن أصمم لي مدونة أخرى
و صممت وركبت مدونة على دومين آخر ..
وكانت جاهزة للإطلاق
إلا أنني ترددت في اطلاقها بسبب سهولة الوصول إليها
مادامها في نطاق جيران, سواء من الموجودين في جيران
او الباحثين من الخارج ..
وخبرك ياشقيق يعني قراءي على الله أجمعهم مني ومناك
مابي ابهدلهم يدورون عليي من قرنة لقرنة ومن داعوس لداعوس
يعني هذا بفرض أن هناك قرّاء ..

بتول ..
يمسيك بالنور دامه المسا ..
وجودك راقني أكثر .. وأما عن دعوتك لمكتوب ..
فالمثل البحراني يقول ..
وإلا لا مو زين .. مابقوله
عموما ً إذا طلعت من هالمكان .. فلن أذهب إلا لمكاني الخاص
سواء كان مدونة خاصة .. أو قبر .. وفي الحالتين سأكون لوحدي ..

أتمنى تواجدك

اضيف في 22 ابريل, 2009 10:41 م , من قبل abojenin
من المكسيك said:

طبعاً في المدونة مو في القبر ..
عمرش طويل إن شا الله

اضيف في 24 ابريل, 2009 11:56 ص , من قبل بتول حميد
من البحرين said:

جعفر
بقى 5 دقايق وندش 12م!
عاد اختار صباح/ مساء الخير والرضا من الله
[جمعة مباركة]
::
تنبأت بـ المثل ")
بس أبي اعرفه منكـ

اممم بس عشان مدوّنتي هناكـ لا تحرضني مافيني أسوي وحدة ثانية !!

::
ولكـ سعآدة بـ امتداد العمر
أختكـ:
بتول



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية